جلال الدين السيوطي
162
الإتقان في علوم القرآن
العلماء وعلى ألسنتهم ، حتى كاد يكون إجماعا ، وقد رأيت بعض فضلاء العصر أنكر ذلك ، وقال : إنّه لا دليل عليه ، بل الصواب : أنّها نزلت مفرقة كالقرآن . وأقول : الصواب الأوّل ، ومن الأدلة على ذلك آية الفرقان السابقة . أخرج ابن أبي حاتم ، من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قالت اليهود : يا أبا القاسم ، لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى ، فنزلت . وأخرجه من وجه آخر عنه بلفظ : « قال المشركون » ، وأخرج نحوه عن قتادة والسدّيّ « 1 » . فإن قلت : ليس في القرآن التصريح بذلك ، وإنما على تقدير ثبوته ، قول الكفار ؟ قلت : سكوته تعالى عن الردّ عليهم في ذلك ، وعدوله إلى بيان حكمته دليل على صحّته ، ولو كانت الكتب كلّها نزلت مفرّقة لكان يكفي في الردّ عليهم أن يقول : إنّ ذلك سنة اللّه في الكتب التي أنزلها على الرسل السابقة ، كما أجاب بمثل ذلك قولهم : وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 7 ] . فقال : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 20 ] . وقولهم : أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا [ الإسراء : 94 ] . فقال : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ [ يوسف : 109 ] . وقولهم : كيف يكون رسولا ولا همّ له إلّا النساء ؟ فقال وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً [ الرعد : 38 ] . إلى غير ذلك . ومن الأدلة على ذلك . أيضا . قوله تعالى في إنزال التوراة على موسى يوم الصعقة : فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ [ الأعراف : 144 . 145 ] ، وَأَلْقَى الْأَلْواحَ [ الأعراف : 150 ] ، وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ [ الأعراف : 154 ] ، وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ [ الأعراف : 171 ] ، فهذه الآيات كلّها دالّة على إتيانه التوراة جملة . وأخرج ابن أبي حاتم ، من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : أعطي موسى التّوراة في سبعة ألواح من زبرجد ، فيها تبيان لكلّ شيء وموعظة ، فلمّا جاء بها فرأى بني إسرائيل عكوفا على عبادة العجل رمى بالتوراة من يده فتحطّمت ، فرفع اللّه منها ستة أسباع وبقي منها سبع « 2 » . وأخرج من طريق جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جدّه ، رفعه ، قال : « الألواح الّتي
--> ( 1 ) انظر الدر المنثور 5 / 70 . ( 2 ) انظر الدر المنثور 3 / 121 .